ابن الجوزي
44
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : فبكى بكاء طويلا ثم قال لي : يا أبا حازم ، أما ينبغي لي أن أضمر نفسي لتلك العقبة فعسى أن أنجو منها يومئذ [ 1 ] ، وما أظن أني مع هذا البلاء الَّذي ابتليت به من أمور الناس بناج . ثم رقد ثم تكلم الناس ، فقلت : أقلوا الكلام [ 2 ] فما فعل به ما ترون إلا سهر الليل ، ثم تصبب عرقا في يوم الله أعلم كيف كان ، ثم بكى حتى علا نحيبه ، ثم تبسم ، فسبقت الناس إلى كلامه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، رأيت منك عجبا ، إنك لما رقدت تصببت عرقا حتى ابتل ما حولك ، ثم بكيت حتى علا نحيبك ثم تبسمت ، فقال لي : وقد رأيت [ 3 ] ذلك ؟ قلت : نعم ومن كان حولك من الناس رآه ، فقال لي : يا أبا حازم ، إني لما وضعت رأسي فرقدت ، رأيت كأن القيامة قد قامت واجتمع الناس ، فقيل : انهم عشرون ومائة صف فملئوا الأفق ، أمة محمد من ذلك ثمانون صفا [ 4 ] مهطعين إلى الداعي [ 5 ] ينتظرون متى يدعون إلى الحساب ، إذ نودي : أين عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق ؟ فأجاب فأخذته الملائكة فأوقفوه أمام ربه عز وجل ، فحوسب ثم نجا [ وأخذ به ذات اليمين ، ثم نودي بعمر فقربته الملائكة ، فوقفوه أمام ربه ، فحوسب ثم نجا ] [ 6 ] وأمر به وبصاحبه إلى الجنة . ثم نودي بعثمان ، فأجاب ، فحوسب يسيرا ، ثم أمر به إلى الجنة ، ثم نودي بعلي بن أبي طالب ، فحوسب ثم أمر به إلى الجنة [ 7 ] . فلما قرب الأمر مني أسقط في يدي ، ثم جعل يؤتى بقوم لا أدري ما حالهم ، ثم نودي : أين عمر بن عبد العزيز ؟ فتصببت عرقا ، ثم سئلت عن الفتيل والنقير والقطمير وعن كل قضية قضيت بها [ 8 ] ، ثم غفر لي ، فمررت بجيفة ملقاة ، فقلت للملائكة : من هذا ؟ فقالوا : إنك لو كلمته كلمك ، فوكزته برجلي فرفع رأسه إليّ وفتح عينيه ، فقلت له : من أنت ؟ فقال لي : من أنت ؟ فقلت : أنا عمر بن عبد العزيز ، قال : ما فعل الله بك ؟ قلت : تفضّل عليّ وفعل بي ما فعل بالخلفاء الأربعة الذين غفر لهم ، وأما الباقون فما أدري ما فعل بهم ،
--> [ 1 ] في ت : « أنجو منها يوم القيامة » . [ 2 ] في ت : « اطووا الكلام » . [ 3 ] في ت : « ورأيت » . [ 4 ] « صفا » : سقطت من ت . [ 5 ] « إلى الداعي » . سقط من ت . [ 6 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 7 ] « ثم نودي بعلي . . . ثم أمر به إلى الجنة » : ساقطة من ت . [ 8 ] في الأصل : « قضيتها بها » . وما أوردناه من ت .